ابن فرحون

52

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )

من الحب ، أوصى بثلثها ، ودارا نسكنها وكتب نقرأ فيها ، فإن كتب اللّه قسمته ، وإلا فهي رزية وبلية ، نرجو من اللّه العظيم كشفها والعوض عنها . فقام حينئذ شمس الدين المغيثي وصاح على الشيخ ، وقال : في مثل هذا تتهاون ، واللّه لا يصل هذا اللعين إلى وظيفتنا ، ولا يقرأ فيها أبدا إلا أن يفعل بي كذا وكذا . فبلغ ذلك الأمير ، فلم يسمع من الذي سعى عليها بعد ذلك في حقنا كلمة ، ورد اللّه كيد ذلك الرجل في نحره ببركة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وببركة والدنا ، ثم دارت الدائرة على ذلك الرجل ، فأخرج من جميع وظائفه التي تتعلق بالحرم الشريف ، واللّه تعالى مع الضعيف . توفي شمس الدين في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة فيما يغلب على الظن رحمه اللّه ، ودفن أمام باب قبّة سيدي إبراهيم ابن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ومنهم عزّ الدين دينار البدري « 1 » ، رحمه اللّه من خادم ، إذ قيل للنبي صلى اللّه عليه وسلم خادم ، كان مسكنه دار الشرابي بزقاق الخدام ، قد جعلها موئلا للإخوان ، ومرفقا لكل مرتاد ، يعد فيها للمرضى أنواعا من الأمواه والأشربة والأغذية ، لا يمرض فقير أو مجاور أو خادم إلا جاءه في الحين ، وحمل إليه من كل ما يحتاجه ، وكان عطاؤه عطاء السلاطين وإن أعطى ماء لسان الثور ، أو ماء خلّاف ، وما أشبه ذلك ملأ الإناء ، وكذا يفعل في الشراب والسكر وغير ذلك ، ومتى وصف لمريض فقير دواء سعى في تحصيله حتى يأتيه به ، ثم إنه لا يزال يطبخ في بيته الأشياء اللطيفة المناسبة ، ويحملها بنفسه على يده ، لا يستعين بعبده ولا بغلامه . ولا أقول إنه يفعل ذلك مع أصحابه ومن يعرفه من عناياه « 2 » وأحبابه ، بل يجري خيره على جميع الناس ، ويأتيهم في الربط والمدارس ، ويترقق لهم ويشفق عليهم ، ويشهيهم رحمه اللّه ، هذه حاله فيما ملكت يمينه . وأما غير ذلك من مساعدة الضعيف والقيام مع المنكسر بدين أو فقر ، فالعجب العجاب ، ويخرج من ماله ويتضمّن في ذمته ، ويدخل على الغريم

--> ( 1 ) ذكره في : « التحفة اللطيفة » 1 / 334 ( 1193 ) ، نقلا عن ابن فرحون . ( 2 ) يعني : من يعتني به من أقاربه .